كتابه المغنى كنموذج لمؤلفاته:
وهو في ست عشرة مجلدة ويعد المغني من أهم المراجع الفقهية للمذهب الحنبلي ـ إن لم يكن أهمها على الإطلاق ـ والمغني ليس كتاب مذهبٍ فقط، وإنما هو موسوعة جامعة في الفقه المقارن. حشد فيه صاحبه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وتحرى مسايرة آراء الإمام أحمد بن حنبل فيما ذهب إليه من ترجيحات، لكنه كان يعرض آراء المذاهب الأخرى في موضوعية علمية منقطعة النظير. بدأ المغني بكتاب الطهارة، وختم بكتاب عتق أمهات الأولاد. والكتاب ذو قيمة علمية ضخمة، ولقد قسمه ابن قدامة إلى كتب، وأبواب، وفصول، ومسائل في عرض ممتع جذاب.
وقد ضمنه أقوال الصحابة والتابعين وعلماء الامصار، وحكى أدلة كل واحد منهم بأمانة ووضوح ودونما تعصب.
قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الاسلام في العلم مثله في جودته وتحقيق ما فيه، ولم تطب نفسي بالفتيا حتى صارت نسخة من المغني عندي.
قال الإمام الذهبي: ولم يصنف في الإسلام أحسن منه.
قال الحافظ الضياء: رأيت الإِمام أحمد بن حنبل في النوم وألقى عليّ مسألة في الفقه. فقلت: هذه في الخرقي. فقال: ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخرقي.
وقرأت بخط الحافظ الدبيثي قال: سمعت الشيخ علاء الدين المقدسي - قلت: وقد أجاز لي المقدسي هذا - قال: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية - قال الذهبي: وأظنني سمعت من شيخنا ابن تيمية - يقول: قال لي الشيخ الدين عبد الرحمن بن إبراهيم القزازاي: كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخنا يرسلني أستعير له المحلي والمجلَّي من ابن عربي، وقال: قال الشيخ عز الدين: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلي والمجلي، وكتاب المغنى للشيخ موفق الدين بن قدامة في جودتهما وتحقيق ما فيها.
ونقل عن ابن عبد السلام أيضاً أنه قال: لم تطب نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة المغني.
وقد سبق قول الناصح ابن الحنبلي في مدح المغني، مع أنه كان قد يسامي الشيخ في زمانه.
وللشيخ يحيى الصرصري في مدح الشيخ وكتبه، في جملة القصيدة الطويلة اللامية.
وفي عصرنا كان الموفق حجة ... على فقهه، بثبت الأصول محولي
كفى الخلق بالكافي، وأقنع طالباً ... بمقنع فقه من كتاب مطول
وأغنى بمغني الفقه من كان باحثاً ... وعمدت من يعتمدها يحصل
وروضة ذات الأصول كروضة ... أماست بها الأزهار أنفاس شمأل
تدل على المنطوق وأوفى دلالة ... وتحمل في المفهوم أحسن محمل
قصة ظريفة تُروى عنه:
ومن أظرف ما حكى عنه: أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإِجازات وغيرها. فاتفق ليلة خطفت عمامته، فقال لخاطفها: يا أخي خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها ورد العمامة أغطي بها رأسي وأنت في أوسع الحل مما في الورقة. فظن الخاطف أنها فضة ورآها ثقيلة، فأخذها ورد العمامة. وكانت صغيرة عتيقة. فرأى أخذ الورقة خيراً منها بدرجات. فخلص الشيخ عمامته بهذا الوجه اللطيف.
ذكر شيء من كراماته:
قال سبط ابن الجوزي: حكى أبو عبد الله بن فضل الأعتاكي قال: قلت في نفسي: لو كان لي قدرة لبنيت للموفق مدرسة، وأعطيته كل يوم ألف درهم. قال: فجئت بعد أيام، فسلمت عليه، فنظر إلي وتبسم، وقال: إذا نوى الشخص نية كتب له أجرها.
وحكى أبو الحسن بن حمدان الجرائحي قال: كنت أبغض الحنابلة، لما شنع عليهم من سوء الاعتقاد. فمرضت مرضاً شنج أعضائي، وأقمت سبعة عشر يوماً لا أتحرك، وتمنيت
الموت. فلما كان وقت العشاء جاءني الموفق، وقرأ علي آيات وقال: " وننزل من القرآن ما هو شفاء للناس ورحمة للمؤمنين " ومسح على ظهري فأحسست بالعافية، وقام.
فقلت: يا جارية، افتحي له الباب. فقال: أنا أروح من حيث جئت. وغاب عن عيني، فقمت من ساعتي إلى بيت الوضوء. فلما أصبحت دخلت الجامع، فصليت الفجر خلف الموفق، وصافحته، فعصر يدي وقال: أحذر أن تقول شيئاً. فقلت: أقول وأقول.
وقال قوام جامع دمشق؛ كان ليلة يبيت في الجامع، فتفتح له الأبواب فيخرج ويعود، فتغلق على حالها.
وحدث العفيف كتائب بن أحمد بن مهدي بن البانياسي - بعد موت الشيخ الموفق بأيام - قال: رأيت الشيخ الموفق على حافة النهر يتوضأ. فلما توضأ أخذ قبقابه ومشى على الماء إلى الجانب الآخر، ثم لبس القبقاب - وصعد إلى المدرسة - يعني مدرسة أخيه أبي عمر - ثم حلف كتائب بالله لقد رأيته، ومالي في الكذب حاجة، وكتمت ذلك في حياته. فقيل له: هل رآك؟ قال: لا. ولم يكن ثم أحد، وذكر وقت الظهر. فقيل له: هل كانت رجلاه تغوص في الماء؟ قال: لا، كأنه يمشي على وطاء رحمه الله.
وقرأت بخط الحافظ الذهبي: سمعت رفيقنا أبا طاهر أحمد الدريبي سمعت الشيخ إبراهيم بن أحمد بن حاتم - وزرت معه قبر الشيخ الموفق - فقال: سمعت الفقيه محمد اليونيني شيخنا يقول: رأيت الشيخ الموفق يمشي على الماء.
وفاته:
توفي رحمه الله يوم السبت يوم عيد الفطر سنة عشرين وستمائة بمنزله بدمشق وصلى عليه من الغد. وحمل إلى سفح قاسيون خلف الجامع المظفري. فدفن به. وكان له جمع عظيم. امتد الناس في طرق الجبل فملؤوه.
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: حكى إسماعيل بن حماد الكاتب البغدادي قال: رأيت ليلة عيد الفطر كأن مصحف عثمان قد رفع من جامع دمشق إلى السماء. فلحقني غم شديد. فتوفى الموفق يوم العيد.
قال: ورأى أحمد بن سعد - أخو محمد بن سعد الكاتب المقدسي، وكان أحمد هذا من الصالحين - قال: رأيت ليلة العيد ملائكة ينزلون من السماء جملة، وقائل يقول: انزلوا بالنوبة. فقلت: ما هذا؟ قالوا: ينقلون روح الموفق الطيبة في الجسد الطيب.
قال: وقال عبد الرحمن بن محمد العلوي: رأيت كأن النبي صلى الله عليه وسلم مات، وقبر بقاسيون يوم عيد الفطر. قال: وكنا بجبل بني هلال. فرأينا على قاسيون ليلة العيد ضوءاً عظيماً، فظننا أن دمشق قد احترقت. وخرج أهل القرية ينظرون إليه، فوصل الخبر بوفاة الموفق يوم العيد. ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.
ومما رثى به الشيخ موفق الدين رحمه الله ما قاله فيه الشيخ صلاح الدين أبو عيسى موسى بن محمد بن خلف بن راجح المقدسي في قصيدة له:
لم يبقَ لي بعد الموفق رغبة ... في العيش إن العيش سم منقع
صدر الزمان وعينه وطرازه ... ركن الأنام الزاهد المتورع
بحر العلوم أبو الفضائل كلها ... شمل الشريعة بعده لا يجمع
كان ابن أحمد في مقام محمد ... إن هالهم أمر إليه يفزعوا
فيبين مشكله، ويوضح سره ... ويذب عن دين الإله ويدفع
ببصيرة يجلو الظلام ضباؤها ... يبدي العجائب، نورها يتشعشع
فاليوم قد أضحى الزمان وأهله ... غرضاً لكل بلية تتنوع
والعلم قد أمسى كأنّ بواكيناً ... تبكي عليه وحبله ينقطع
وتعطلت تلك المجالس، وانقضت ... تلك المحافل، ليتها لو ترجع
هيهات بعدك يا موفق يرتجى ... للناس خير، أو مقال يسمع
للَّه درك كم لشخصك من يد ... بيضاء في كل الفضائل ترتع
قد كنت عبداً طائعاً لا تنثني ... عن باب ربك في العبادة توسع
كم ليلة أحييتها وعمرتها ... واللٌه ينظر والخلائق هجع
تتلو كتاب الله في جنح الدجى ... كزبور داود النبي ترجع
لو كان يمكن من فدائك رخصة ... لفدتك أفئدة عليك تقطع
من تصانيفه:
صنف الشيخ الموفق رحمه الله التصانيف الكثيرة الحسنة في المذهب، فروعاً وأصولاً. وفي الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق. وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هي طريقة الإِمام أحمد وأئمة الحديث. ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم. وهذه طريقة أحمد والمتقدمين. وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات، من غير تفسير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل.
فمن تصانيفه في أصول الدين " البرهان في مسألة القرآن " جزء " جواب مسألة وردت من صرخد في القرآن " ، جزء " الاعتقاد " جزء " مسألة العلو " جزآن " دم التأويل " جزء " كتاب القدر " جزآن " فضائل الصحابة " جزآن. وأظنه " منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين " " رسالة " إلى الشيخ فخر الدين ابن تيمية في تخليد أهل البدع في النار " مسألة " في تحريم النظر في كتب أهل الكلام.
ومن تصانيفه في الحديث " مختصر العلل " للخلال، مجلد ضخم " مشيخة شيوخه " جزء. وأجزاء كثيرة خرجها.
ومن تصانيفه في الفقه " المغني في الفقه " عشر مجلدات " الكافي في الفقه " أربع مجلدات " المقنع في الفقه " مجلد " مختصر الهداية " مجلد " العمدة " مجلد صغير " مناسك الحج " جزء " ذم الوسواس " جزء. وفتاوى ومسائل منثورة، ورسائل شتى كثيرة.
ومن تصانيفه في أصول الفقه " الروضة " مجلد.
وله في اللغة والأنساب ونحو ذلك " قنعة الأريب في الغريب " مجلد صغير " التديين في نسب القرشيين " مجلد " الاستبصار في نسب الأنصار " مجلد.
وله في الفضائل والزهد والرقائق ونحو ذلك " كتاب التوابين " جزآن " كتاب المتحابين في الله " ، جزآن " كتاب الرقة والبكاء " جزآن " فضائل عاشوراء " جزء " فضائل العشر " جزء.
وانتفع بتصانيفه المسلمون عموماً، وأهل المذهب خصوصاً. وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه في تصنيفها. ولا سيما كتاب " المغني " فإنه عظم النفع به، وأكثر الثناء عليه.
ونختصر أهم تصانيفه رحمه الله:
- العمدة. - المقنع. - الكافي في فقه الإمام أحمد. - المغني، وهو أكبر كتبه ومن كتب الإسلام المعدودة. - الاستبصار، في الأنساب. - الاعتقاد. - التوابين. - ذم التأويل - ذم الوسواس. - روضة الناضر وجنة المناظر. - فضائل الصحابة - القدر. - لمعة الاعتقاد. - مسألة في تحريم النظر في علم الكلام. - مناسك الحج. - التبيين في أنساب القرشيين. - المنتخب من علل الخلال. - نسب الأنصار. - غريب اللغة. - الرقة. - مختصر الهداية.
ذكر نبذة من فتاويه، ومسائله من غير كتبه المشهورة
قال الشيخ موفق الدين في مسألة: ما إذا اجتمع جنب وحائض، ووجدا من الماء ما يكفي أحدهما. قال: إن كانت المرأة زوجة للرجل، فهي أحق؛ لأنها تبيح له الوطء، وهو يرجع إلى بدل، وإن كانت أجنبية منه، فهو أحق؛ لأنه يستبيح الصلاة، وهى ترجع إلى التيمم.
وسئل إذا أعتقت الجارية: هل يجب عليها أن تستبرئ نفسها بحيضة، آم بثلاث؟ قال: إن كانت تعلم أن سيدها لم يكن يطؤها، لم يجب عليها الاستبراء إلا في صورة واحدة، وهي فيما إذا اشتراها فأعتقها، فأراد أن يتزوجها: يجب عليها الاستبراء بحيضة، وإن كانت تعلم أنه كان يطؤها: وجب عليها استبراء نفسهما بحيضة، وإلحاقها بالإماء أولى من إلحاقها بالحرائر، لأن المقصود هو الاستبراء، وذلك حاصل بحيضة واحدة، ولأن الثلاث: إما عدة عن نكاح، أو ما يشبهه وهو الوطء بالشبهة. وكلى واحذ منهما منتفٍ هنا.
وقال فيما إذا اتفقت الجارية من غير قصد البائع: يتخير كما يتخير لو قصدها، وفيما إذا ردها المشتري بعيب سوى التصرية: يجب الصاع من التمر، قيل له: هي من ضمانه، فيكون اللبن بمنزلة الخراج؟ قار: اللبن ورد عليه العقد، وكان موجوداً بخلاف غيره من المنافع والخراج.
وسئل عن الجارية المشتركة ببن جماعة: هل يجوز لكل واحد النظر إلى عورتها: فقال: لا يجوز ذلك، وخالف هذا ما إذا كان العبد مشتركاً بين نساء يجوز لهن النظر إليه، لأن المجوز للنظر ههنا هو الحاجة إلى الاستخدام، وهو موجود في العبد المشترك، والنظر إلى عورة الجارية: إنما جاز لتمكنه من الوطء، وهو ههنا منتفٍ للاشتراك.
وسئل إذا كان على أعضاء وضوئه كلها جراحة، أيجزيه أن يغسل الصحيح ثم يتيمم لهما تيمماً واحداً؟ قال: لا، بل يغسل العضو الأول ويتيمم له، وكذلك الثاني والثالث والرابع، فيتيمم أربع تيممات.
وقال فيمن أعتق أباه في مرض موته: الأقيس أنه لا يرث، والمذهب الإرث.
وقال أبو الخطاب: إذا أقرَّ في مرض موته بعتق ابن عمه، يعتق ولا يرث.
ومما نقلته من خط السيف بن المجد من فتاوى جده موفق الدين - وقد سئل عن معاملة من في ماله حرام. فأجاب: الورع: اجتناب معاملة من في ماله حرام، فإن من اختلط الحرام في ماله: صار في ماله شبهة بقدر ما فيه من الحرام، إن كَثر الحرام كثرت الشبهة، وإن قلَّ قلت، وذكر حديث " الحلال بين، والحرام بيّن " وأما في ظاهر الحكم: فإنه يباح معاملة من لم يتعين التحريم في الثمن الذي يؤخذ منه؛ لأن الأصل: أن ما في يد الإِنسان ملكه وقد قال بعض السلف: بع الحلال ممن شئت، يعني إذا كَانت بضاعتك حلالاً فلا حرج عليك في بيعها ممن شئت، ولكن الورع: ترك معاملة من في ماله الشبهات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك " .
وسئل عما إذا تعين ثمن خمر أو خنزير من الكافر: ما الحكم في أخذه منهم، يعني بعقد ونحوه؟ وكان فد أجاب قبله ابن المتقنة الرحبي الشافعي: لا يجوز ذلك، إذا تعين. فأجاب الشيخ موفق الدين: الأولى تركه. ويجوز أخذه إذا كان جائزاً في دينهم؟ لأننا أقررناهم على ما يعتقدون من دينهم.
وسئل عن خلافة أبي بكر: ثبتت بالنص أو بالقياس؟ فأجاب ابن المتقنة: شت بإجماع الصحابة واتفاقهم فكتب الشيخ الموفق: ثبتت بنص النبي صلى الله عليه وسلم، في أخبار كثيرة، ذكر بعضها.
وسئل ابن المتقنة في بعض ذكر الحرب تكرر " حرب عوان " ما العوان في اللغة؛ فأجاب: " العوان " ، أشد ما يكون. فضرب الشيخ على الجواب وكتب: الحرب التي تقدمها حرب أخرى.
قال السيف: وكتب ابن الجوزي عن كلام شيخ الإسلام الأنصاري: كان عبد الله الأنصاري يميل إلى التشبيه. فلا يقبل قوله، فألحق جدي: حاشاه من التشبيه، ولا يقبل قول ابن الجوزي فيه.
وقال في القرية التي فيها أربعون، يسمعون النداء من المصر: إنهم مخيرون بين إقامة الجمعة بها، وبين السعي إلى المصر. قال: وهو أولى للخروج من الخلاف. قال: فإن كانت قرية فيها أربعون. وقرية فيها دون الأربعين: فإن مضى الأقل إلى الأكثر، فأقام عندهم الجمعة: جاز، وبالعكس لا يجوز، وإن جاء إلى أهل الأربعين إمام من غيرهم فأقام بهم الجمعة: جازة لأنه ممن تجب عليه الجمعة، فجاز أن يكون إماماً لغيره من أهل القرية.
ونقل إبن حمدان الحرائي: أن قاضي حران أرسل سؤالاً إلى الشيخ موفق الدين في وكيل الغائب، إذا طالب بدين موكله، فادعى المدين: أن موكله قد استوفى دينه فهل للقاضي دفع الوكيل ومنعه من الاستيفاء، حتى يحلف الموكل: أنه ما استوفى ولا أبرأ؟.
فأجاب الشيخ موفق الدين: إن الوكيل لا يتمكن من الاستيفاء، من غير يمين موكله، وعلل بأن الموكل لو كان حاضراً ما استحق الاستيفاء بغير يمين، والوكيل قائم مقامه.
وذكر ابن حمدان: أن الناصح بن أبي الفهم أنكر ذلك. وقال: لا خلاف في المذهب أن الوكيل لا يمتنع من الاستيفاء بذلك. وأخرج كلام القاضي وابن عقيل في المجرد بما يقتضي ذلك. وذكر عن بعض الشافعية: أنه حكى في هذه المسألة خلافاً بينهم.
قال الناصح: وقد ذكر الموفق في الكافي: أن الدعوى على الغائب لا تسمع إلا ببينة، ودعوى المدين الإبراء والاستيفاء ههنا دعوى بلا بينة على غائب، فكيف تسمع؟ ثم أرسل هذا إلى الشيخ الموفق.
فأجاب: أما المسألة التي في الوكالة: فإنما أفتيت فيها باجتهادي، بناء على ما ذكرت في التعليل. فإذا ظهر قول الأصحاب وغيرهم بخلافه فقولهم أولى. والرجوع إلى قولهم متعين، لكن ما ذكره بعض الشافعية يدل على أنها مختلف فيها، وأنها مما يسوغ فيه الاجتهاد. وأما قولي وقول الفقهاء " لا تسمع الدعوى على الغائب إلا ببينة " فإنما أريد بها الدعوى التي إذا سكت صاحبها ترك، وإذا سكت المدعي عليه لم يترك؛ لأن سماع هذه الدعوى لا يفيد شيئاً. إذ مقصودها القضاء على المدعى عليه. فإذا خلت عن بينة، ولم يكن المدعى عليه حاضراً، لم تفد الدعوى شيئاً. إذ لا يمكن القضاء بغير بينة، ولا إقرار، ولا نكول، ولا رد يمين. والدعوى ههنا تراد للمنع من القضاء عليه. وذلك ممكن مع الغيبة، وسماع الدعوى مفيد.
ومن مباحثه الحسنة: نقلت من خط بهاء الدين عبد الرحمن المقدسي: سئل شيخنا موفق الدين عن قول الخرقي: وإن أقر المحجور عليه بما يوجب حداً أو قصاصاً، أو طلق زوجته لزمه ذلك. وإن أقر بدين لم يلزمه في حال حجره، ما الفرق بينهما؟ فقال: الفرق بينهما: أن الإقرار بالدين إقرار بالمال، والمال محجور عليه فيه. فلو قبلنا إقراره في المال أتى ذلك إلى فوات مصلحة الحجر، وهو أنه يقر لهذا بدين ولهذا. فيفوت عليه ماله. فلا يلزمه الإقرار فيه. وأما الإقرار بالحد والقصاص أو طلاق الزوجة: فإنه إقرار بشيء لم يحجر عليه فيه، فلزمه، كما لولده أن يحجر عليه. وأيضاً فإنه إذا لزمه الإقرار في الحد والقصاص أدى إلى فوات حقه. وإذا لزمه الإقرار في المال أدى إلى فوات حقوق الغرماء. فلزمه الإقرار على نفسه، ولم يلزمه فيما يعود إلى غيره.
فقيل له: على هذا: أن الإقرار بالحد أيضاً يؤدي إلى فوات حقوق الغرماء فيما كان الحاكم قد أخذه ليقضي دينه، على الرواية التي تقول: إنه إذا كان ذا صنعة، فإن الحاكم يؤجره ليقضي بقية دينه. ومع هذا فقد ألزمناه بالإقرار.
فقال: إنما يفوت ضمناً وتبعاً. ويصير كما نقول في الزوجة: إنها إذا أقرت بالحد أو القصاص لزمها، وإن فات حق الزوج.
فقيل له: فما تقول في الحامل إذا أقرت بما يوجب حداً أو قصاصاً، أليس إنه ينتظر بها حتى تلد؟ فقال: ههنا يمكن الجمع بين الحقين، فخلاف ما نحن فيه.
قلت: قد يقال في صورة إيجار المفلس لوفاء بقية دينه: كان يمكن الجمع بين الحقين بتأخير استيفاء القصاص إلى أن يوفي الدين من كسبه.
وقد يجاب عنه بأن الحامل أُخرت لئلا تزهق بالاستيفاء منها نفس معصومة. فلا فرق بين أن يثبت الحد أو القصاص عليها بالإقرار أو البينة. وههنا لو ثبت الحد أو القصاص ببينة لم يؤخر إلى أن يوفي بقية الدين. فكذا إذا ثبت بالإقرار فإن التهمة في مثل هذا منتفية.
ومن فتاويه المتعلقة بعلم الحديث - نقلتها من خط الحافظ أبي محمد البرزالي رحمه الله.
سئل: هل تجوز الرواية من نسخة غير معارضة؟.
فأجاب: إذا كان الكاتب معروفاً بصحة النقل وقلة الغلط جازت الرواية.
وسئل: إذا لم يذكر القارئ الإِسناد في أول الكتاب، وذكره في آخره، وقال: أخبرك به فلان عن فلان، وأقر الشيخ بذلك فهل يجزيه.
فأجاب: يجوز إذا قال له ذلك عقيب قراءته عليه، وإلا فلا.
وسئل: هل يصح السماع بقراءة الصبي والفاسق؟.
فأجاب: إن كان له مقابل صح، وإلا فهو بمنزلة روايته.
وسئل: هل يجوز الكتبة والمطالعة، أو الإغفاء يسيراً، في وقت السماع أو يجوز للشيخ أن يكتب ويقرأون عليه؟.
فأجاب: ما رأينا أحداً يحترز من هذا.
وسئل: إذا سقط من متن الحديث حرف أو حرف أو ألف، هل يجوز إثباتها؟ وهل يجب إصلاح لحن من جهة الإعراب؟.
فأجاب: يجوز إصلاحه. قال الأوزاعي: يصلح اللحن والخطأ والتحريف في الحديث.
وسئل: إذا وجد في كتابه اسماً مصحفاً أو كلمة، وهو كذلك في سماع شيخه. فهل يجور له أن يغيره في كتابه على الصواب؟ أجاب: له تغييره. والله أعلم.
أهم المراجع:
- التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد للبغدادي.
- دروس عمدة الفقه للشنقيطي.
- المختصر المحتاج إليه من تاريخ الحافظ الدبيثي للذهبي.
- ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد للفاسي.
- ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب.
- طبقات المفسرين أحمد بن محمد الأدنروي
- سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان
- فوات الوقيات للكتبي
- سير النبلاء للذهبي.
- شذرات الذهب لابن العماد.
- البداية لابن كثير في حوادث سنة 620 هـ.
- البداية والنهاية لابن كثير .
- العبر في خبر من غبر للذهبي.
- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي.
- &nbs