علماء وفقهاء ومحدِّثون فلسطينيون
موفق الدين ابن قدامة المقدسي
م. نايف فارس
إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
أما بعد: إن علماء الإسلام هم حملة هذا الدين العظيم، وهم من نافح وجاهد للحفاظ على هذا الدين من أعدائه المتربصين فيه. قال تعالى: ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯩ ﭼ فاطر .
ومن هؤلاء العلماء علماء وفقهاء ومحدثون فلسطينيون.
فلسطين كانت تزخر بالعلماء المسلمين ونبوغهم كعلماء وفقهاء ومحدثون.
والكلام على هؤلاء العلماء مما يحفز النفوس ويرفع الهمم.
وعليه رأينا أن نبرز هؤلاء العلماء ونتكلم عن سيرهم حتى نوفِّيهم بعض حقِّهم علينا ولو بالقدر اليسير.
ونسأل الله أن يوفقنا لأن تكون سيرة هؤلاء العلماء على حلقات مسلسلة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موفق الدين ابن قدامة المقدسي
اسمه ونسبه:
هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي الجمَّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الحنبلي شيخ المذهب الإمام بحر علوم الشريعة المطهرة، الزاهد ، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين ، أخو الشيخ أبي عمر ( محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي )
مولده ونشأته:
ولد بجمَّاعيل إحدى قرى مدينة نابلس في فلسطين - أعادها الله على الإسلام والمسلمين - سنة 541 هـ في أسرة عُرفت بالعلم والصلاح، وقدم إلى دمشق مع أهله وعائلته وأقاربه وكان عمره 10 سنين ، وخرج من بلده صغيرا مع عمه عندما ابتليت بالصلبيين واستقر بدمشق واشترك مع صلاح الدين في محاربه الصلبيين .
أولاده:
قال سبط ابن الجوزي: وكان له أولاد: أبو الفضل محمد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى. ماتوا كلهم في حياته. ولم أدرك منهم غير عيسى. وكان من الصالحين. وله بنات.
قال: ولم يعقب من ولد الموفق سوى عيسى، خلف ولدين صالحين وماتا، وانقطع عقبه.
قال ابن رجب: أما أبو الفضل محمد: فولد في ربع الآخر سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وكان شاباً ظريفاً فقيهاً. تفقه على والده، وسافر إلى بغداد، واشتغل بالخلاف على الفخر إسماعيل. وسمع الحديث.
وتوفى في جمادى الأولى سنة تسع وتسحين وخمسمائة بهمدان. وقد كمل ستاً وعشرين سنة رحمه الله.
وأما أبو المجد عيسى: فيلقب مجد الدين. تفقه وسمع الحديث الكثير بدمشق من جماعة كثيرة من أهلها، ومن الواردين عليها وسمع بمصر من إسماعيل بن ياسين، البوصري، والأرتاحي، وفاطمة بنت سعد الخير، وغيرهم. وحدث. ذكره المنذري، قال: ولي الخطابة والإِمامة بالجامع المظفري بسفح قاسسون. قال: واجتمعت معه بدمشق، وسمعت معه من والده. وتوفى في جمادى الآخرة في خامسه - أو سادسه - سنة خمس عشرة وستمائة رحمهم الله تعالى.
أخوه مربِّيه ولماذا سمِّي بالصالحي:
محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي، باني المدرسة التي بالسفح يقرأ بها القرآن العزيز، وهو أخو الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، وكان أبو عمر أسن منه، لأنه ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بقرية الساويا، وقيل بجماعيل، والشيخ أبو عمر ربى الشيخ موفق الدين وأحسن إليه وزوجه، وكان يقوم بمصالحه، فلما قدموا من الارض المقدسة نزلوا بمسجد أبي صالح خارج باب شرقي ثم انتقلوا منه إلى السفح، وليس به من العمارة شئ سوى دير الحوراني، قال فقيل لنا الصالحيين نسبة إلى مسجد أبي صالح لا أنا صالحون، وسميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية نسبة إلينا، فقرأ الشيخ أبو عمر القرآن على رواية أبي عمرو، وحفظ مختصر الخرقي في الفقه، ثم إن أخاه الموفق شرحه فيما بعد فكتب شرحه بيده.
وصفه الخلقي
قال الحافظ الضياء: كان تام الخلقه أبيض مشرق الوجه أدعج كأن النور يخرج من وجهه لحسنه واسع الجبين طويل اللحية قائم الأنف مقرون الحاجبين صغير الرأس لطيف اليدين والقدمين نحيف الجسم ممتعا بحواسه.
منزلته العلمية:
كان إماماً حبرا مفتيا مصنفا ذا فنون ، بحرا لا ينزف ، انتهت إليه معرفة مذهب أحمد ولم يكن في وقته أحد أعلم منه ولا أفقه منه في سائر المذاهب ، وكان زاهداً عابداً قانعاً عارفاً بالله ورسله ، له قدم في التقوى راسخ ، يستحق إلى أن تُطوى إليه مراحل وفراسخ .
طلبه للعلم
كان-رحمه الله- من بيت علم وفضل وزهد وورع ، ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -- رضي الله عنه - وأرضاه- ، وكان بيته معروفاً بالعلم والإمامة والفقه والحديث ، فجمع الله لهم بين علم الحديث روايةً ودراية .
حفظ القرآن دون سن البلوغ وحفظ مختصر الخرقي وتعلم أصول الدين، وكتبَ الخط المليح، وتتلمذ على يد كبار مشايخ دمشق وأعلامها فنبغ ، ثم سافر إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبد الغني المقدسي سنة إحدى وستين، وأقاما بها أربع سنوات يدرس على شيوخها وتفقه فيها هكذا ذكره الضياء، عن أمه، وهي أخت الشيخ، وعاد إلى دمشق سنة سبع وستين كذا قال سبط ابن الجوزي. وحدث وصنف وانتفع به وكان إماما ثقة فاضلا صالحا.
وذكر الناصح ابن الحنبلي: أنه حج سنة أربع وسبعين، ورجع مع وفد العراق إلى بغداد، وأقام بها سنة، فسمع درس ابن المني، قال: وكنت أنا قد دخلت بغداد سنة اثنتين وسبعين، واشتغلنا جميعاً على الشيخ أبي الفتح بن المنى، ثم رجع إلى دمشق واشتغل بتصنيف كتاب " المغني " في شرح الخرقي، فبلغ الأمل في إتمامه، وهو كتاب بليغ في المذهب، عشر مجلدات، تعب عليه، وأجاد فيه وجمل به المذهب.
وقرأه عليه جماعة وانتفع بعلمه طائفة كثيرة، قال: ومشى عنى سمت أبيه وأخيه في الخير والعبادة، وغلب عليه الاشتغال بالفقه والعلم.
إن الإمام الموفق أبو عبدالله محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، وهو شيخ الإسلام ، الإمام العالم العامل الزاهد كان من المبرَّزين والأئمة المجتهدين الذين اجتهدوا في مذهبهم ونبغوا حتى أصبح لهم الاجتهاد الذي هو خارج مذهبهم .
وكان الإمام ابن قدامة-رحمه الله- من أئمة العلم ودواوين العلم والعمل.
وأقام رحمه الله عند الشيخ عبد القادر بمدرسته مدة يسيرة، فقرأ عليه من الخرقى، ثم توفى الشيخ، فلازم أبا الفتح بن المنى. وقرأ عليه المذهب، والخلاف والأصول حتى برع.
وكان-رحمه الله- قد راعى في علم الفقه ثلاث مراتب :
ألف فيها كتاب : العمدة ، ثم المقنع ، ثم الكافي ، وهذه داخل المذهب الحنبلي .
ثم ألف : المغني مقارناً للمذاهب وكتاباً مطولاً جامعاً بين فقه الحنابلة وفقه غيرهم مع ذكر الأدلة وبعض الردود والمناقشات وبيان الاختيار.
سماعه:
سمع من والده و سمع بدمشق وسمع ببغداد من أبي الفتح بن البطي وأبا بكر بن النقور وعلي بن تاج القراء ، وسعد الله بن الدجاجي ، ومسلم بن ثابت الوكيل وأبي زرعة المقدسي وأبي المكارم بن هلال البادرائي وشُهدة ومن أبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن محمد الطوسي وأبي المعالي بن صابر ومن بعدهم في خلق كثير.
وحصل طرفا صالحاً من الفقه والأصول .
سمع وروى مسند الشافعي وسنن ابن ماجه عن أبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي وغير ذلك وكان من المكثرين والأئمة.
وسمع على يحيى بن ثابت بن بندار البقال كتاب المستخرج على "صحيح البخاري" لأبي بكر بن الإسماعيلي.
وسمع الكثير من هبة الله الدقاق، والشيخ عبد القادر، وابن تاج الفراء، وابن شافع، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن خضير، وأبي بكر بن النقور، وسمع بمكة من المبارك ابن الطباخ، وبالموصل من خطيبها أبي الفضل.
ذكر من روى عنه:
وروى عنه الحافظ الضياء والبهاء عبد الرحمن وعامة المقادسة وأبو عبد الله البرزالي وأبو الحجاج بن خليل وخلق كثير.
يقول الذهبي – رحمه الله -: وحدثنا عنه التاج عبد الخالق ببعلبك والعماد عبد الحافظ بنابلس وأبو الفهم السلمي بدمشق وإسماعيل بن الفراء وأخته وابن عمه وأحمد بن العماد وزينب بنت الواسطي وأخوها محمد ويوسف بن غالية بالجبل وغيرهم. أنتهى
وسمع منه الحديث خلائق من الأئمة والحفاظ وغيرهم.
وسمع منه الحافظ المنذري والفخر بن البخاري.
وروى عنه ابن الدبيثي، والضياء، وابن خليل.
وسمع منه ببغداد رفيقه أبو منصور عبد العزيز بن طاهر بن ثابت الخياط المقري سنة ثمان وستين وخمسمائة.
من مشايخه رحمه الله:
عبدالرحمن بن علي بن الجوزي إمام عصره في الوعظ صاحب التصانيف الكثيرة وقد حدّث عنه .
عبدالقادر بن عبدالله الجيلي أو الجيلاني شيخ بغداد العالم الزاهد المعروف .
شُهدة بنت أحمد بن الفرج الدينورية فخر النساء الكاتبة المعمَّرة مسندة العراق كانت ديّنة عابدة صالحة كان لها برّ وخير سمع عليها خلق كثير وكان لها السماع العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر وكان سماعها صحيحا واشتهر ذكرها وبعُد صيتها .
هبة الله بن الحسن العجلي السامري المعروف بابن الدقاق ، كان مسند بغداد صحيح الرواية متدينا وهو أقدم مشايخ موفق الدين. وخرج لنفسه مشيخة في جزء ضخم.
وقد تتلمذ على يديه علماء كثيرون منهم :
تفقه على الشيخ موفق الدين خلق كثير.
منهم عبدالرحمن بن عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي الفقيه الزاهد وكان يؤم معه في جامع بني أمية بمحراب الحنابلة وهو صاحب تصانيف نافعة وكان ربانيا ديّنا حافظا .
عبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري، المحدث والفقيه الشافعي المعروف، لم يكن في زمانه احفظ منه وهو صاحب كتاب " الترغيب والترهيب " .
عثمان بن عبدالرحمن الكردي أبو عمرو المعروف بابن الصلاح كان من كبار الأئمة حافظا ورعا زاهدا له مقدمة مشهورة في علم الحديث .
ومنهم ابن أخيه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، والمراتبي.
أقوال العلماء وأئمة الأمة فيه رحمه الله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : لم يدخل الشام بعد الأوزاعي فقيه أعلم من موفق الدين.
وقال الصفدي : كان أوحد زمانه إمام في علم الخلاف والفرائض والأصول والفقه والنحو والحساب والنجوم السيارة والمنازل .
وقد وصفه الذهبي بأنه كان من بحور العلم وأذكياء العالم .
وقال الكتبي - صاحب فوات الوفيات - : كان إماما حجة مصنفا متفننا محررا متبحرا في العلم كبير القدر .
ويقول ابن رجب الحنبلي: الفقيه الزاهد الإمام شيخ الإسلام وأحد الأعلام ، وقال أيضا : هو إمام الأئمة ومفتي الأمة خصه الله بالفضل الوافر والخاطر الماطر .
ونقل الذهبي عن الضياء المقدسي قوله: سمعت المفتي أبا بكر محمد بن معالي بن غنيمة يقول: ما أعرف أحدا في زماننا أدرك درجة الإجتهاد إلا الموفق .
ولما أراد الخروج من بغداد قال شيخه أبو الفتح بن المني : إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه . ذكر ذلك الحافظ الضياء .
وقال فيه الإمام أبو عمرو بن الصلاح: ما رأيت مثله .
وجمع له الحافظ الضياء سيرة في جزءين في اشتغاله وعلمه وزهده ومناقبه وأحواله .
وقال سبط ابن الجوزي: كان إماماً في فنون، ولم يكن في زمانه - بعد أخيه أبي عمر والعماد - أزهد ولا أورع منه، وكان كثير الحياء، عزوفاً عن الدنيا وأهلها هيناً ليناً متواضعاً، محباً للمساكين حسن الأخلاق، جواداً سخياً. من رآه كأنه رأى بعض الصحابة. وكأنما النور يخرج من وجهه، كثير العبادة، يقرأ كل يوم وليلة سُبعاً من القرآن، ولا يصلَّي ركعتي السنة في الغالب إلاَّ في بيته، اتباعاً للسنة، وأن يحضر مجالس دائماً في جامع دمشق وقاسيون.
وقال أيضاً: شاهدت من الشيخ أبي عمر، وأخيه الموفق، ونسيبه العماد: ما ترويه عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساني حالهم أهلي وأوطاني، ثم عدت إليهم على نية الإقامة، عسى أن أكون معهم في دار المقامة.
وقال ابن النجار: كان الشيخ موفق الدين إمام الحنابلة بالجامع. وكان ثقة حجة نبيلاً، غزير الفضل، كامل العقل، شديد التثبت، دائم السكون، حسن السمت، نزهاً ورعاً عابداً على قانون السلف، على وجهه النور، وعليه الوقار والهيبة، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه، صنف التصانيف المليحة في المذهب والخلاف، وقصده التلامذة والأصحاب، وسار اسمه في البلاد، واشتهر ذكره. وكان حسن المعرفة بالحديث، وله يد في علم العربية.
وقال عمر بن الحاجب الحافظ في معجمه: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة. خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل. طنت في ذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. فأما الحديث: فهو سابق فرسانه. وأما الفقه: فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفتيا. وله المؤلفات الغزيرة. وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلى ووقار.
وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وصار في آخر عمره يقصده كل أحد. وكان كثير العبادة دائم التهجد، لم ير مثله، ولم ير مثل نفسه.
وقال أبو شامة: كان شيخ الحنابلة موفق الدين إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين في العلم والعمل. صنف كتباً حساناً في الفقه وغيره، عارفاً بمعاني الأخبار والآثار. سمعت علية أشياء. وكان بعد موت أخيه أبي عمر هو الذي يؤم بالجامع المظفري، ويخطب يوم الجمعة إذا حضر. فإن لم يحضر فعبد الله بن أبي عمر هو الخطيب والإمام. وأما بمحراب الحنابلة بجامع دمشق فيصلي فيه الموفق إذا كان حاضراً في البلد، وإذا مضى إلى الجبل صلَّى العماد أخو عبد الغني، وبعد موت العماد: كان يصلي فيه أبو سليمان بن الحافظ عبد الغني، ما لم يحضر الموفق وكان بين العشائين يتنقل حذاء المحراب. وجاءه مرة الملك العزيز بن العادل يزوره، فصادفه يصلَّي، فجلس بالقرب منه إلى أن فرغ من صلاته. ثم اجتمع به ولم يتجوز في صلاته. وكان إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضي إلى بيته بالرصيف، ومعه من فقراء الحلقة من قدره الله تعالى. فيقدم لهم ما تيسر يأكلونه معه.
قال الضياء: كان رحمه الله إماماً في القرآن وتفسيره، إماماً في علم الحديث ومشكلاته، إماماً في الفقه بل أوحد زمانه فيه، إماماً في علم الخلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إماماً في أصول الفقه، إماماً في النحو، إماماً في الحساب، إماماً في النجوم السيارة والمنازل. قال: ولما قدم بغداد قال له الشيخ أبو الفتح بن المنى: اسكن هنا؛ فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد ولا تخلف فيها مثلك.
قال ابن رجب: وكان شيخنا العماد يعظم الشيخ الموفق تعظيماً كثيراً، ويدعو له، ويقعد بين يديه، كما يقعد المتعلم من العالم.
وسمعت أبا عمرو بن الصلاح المفتي يقول: ما رأيت مثل الشيخ الموفق.
وقال الشيخ عبد الله اليونيني: ما أعتقد أن شخصاً ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال سواه. فإنه رحمه الله كان كاملاً في صورته ومعناه من الحسن والإحسان، والحلم والسؤدد والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره. وقد رأيت من كرم أخلاقه، وحسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حيائه، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها: ما قد عجز عنه كبار الأولياء. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره " فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى نفيعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظم من ذلك وأحسن: ما كان جِبِلَّة وطبعاً، كالحلم والكرم والعقل والحياء، وكان الله قد جبله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغاً، وأسبع عليه النعم، ولطف به في كل حال.
قال: وكان لا يناظر أحداً إلا وهو يتبسم، حتى قال بعض الناس: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه.
قال: وأقام مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة. ثم ترك ذلك في آخر عمره. وكان يشتغل عليه الناس من بكرة إلى ارتفاع النهار. ثم يقرأ عليه بعد الظهر، إما من الحديث أو من تصانيفه إلى المغرب. وربما قرأ عليه بعد المغرب وهو يتعشى. وكان لا يرى لأحد ضجراً. وربما تضرر في نفسه ولا يقول لأحد شيئاً. انتهى